إذا كان العقد الورقي قد أدى وظيفته... فلماذا استمر في التطور؟
على امتداد قرون طويلة، أدى العقد الورقي دوره بوصفه الأداة الرئيسة لتنظيم المعاملات بين الأفراد والشركات. وقد استقرت القواعد القانونية التي تحكم العقود في معظم التشريعات المدنية، وتطورت أحكام القضاء والفقه لتفسيرها وتطبيقها على الوقائع المتجددة. ولو كان الأمر يقف عند حدود إنشاء الالتزامات وإثباتها، لكان من المتوقع أن يتوقف تطور العقد عند هذه المرحلة. إلا أن الواقع سار في اتجاه مختلف.
فلم يقتصر التطور على الانتقال من الورقة إلى الشاشة، أو من التوقيع التقليدي إلى التوقيع الإلكتروني، بل ظهرت أنظمة متخصصة لإدارة العقود، ومنصات لحفظ وثائقها وتتبع تعديلاتها، ثم بدأت تطبيقات العقود الذكية (Smart Contracts) وتقنيات البلوكشين تطرح تصورات جديدة لتنفيذ بعض الالتزامات في بيئات محددة، مع استمرار التطور في أدوات الذكاء الاصطناعي التي تساعد في مراجعة العقود وتحليلها وإدارة مخاطرها.
وهنا يفرض سؤال نفسه:
** إذا كان العقد الورقي قد نجح في أداء وظيفته القانونية، فلماذا احتاجت الممارسة **
لسنا ندعو بهذا السؤال إلى إعادة تعريف العقد في معناه القانوني المستقر، ولا إلى تجاوز ما استقر عليه الفقه والقضاء، وإنما ندعو إلى إعادة النظر في الطريقة التي نفكر بها عند إعداد العقود.
فقد يكون العقد صحيحًا من الناحية القانونية، مستوفيًا لأركانه وشروطه، ومع ذلك لا يحقق الغاية العملية التي أُبرم من أجلها بالكفاءة المطلوبة، لأنه لم يُعد على أساس فهم طبيعة العلاقة التي ينظمها، أو لم يستوعب المخاطر المحتملة أثناء تنفيذها، أو اكتفى بتسجيل الاتفاق دون أن يهتم بكيفية إدارة هذا الاتفاق بعد توقيعه.
ومن هنا تنطلق هذه السلسلة من المقالات.
فهي لا تسعى إلى تعليم القارئ كيف يكتب بندًا تعاقديًا، ولا إلى استعراض القواعد العامة للعقود التي تزخر بها المؤلفات القانونية، وإنما تحاول أن تطرح سؤالًا مختلفًا:
إذا كانت مهمة العقد هي تنظيم العلاقة القانونية، فما المنهج الذي ينبغي أن يسبق كتابة أول كلمة فيه؟
ولعل الإجابة عن هذا السؤال هي الخطوة الأولى نحو فهم أوسع لوظيفة العقد، ودور المحامي، ومعيار جودة الإعداد التعاقدي في بيئة قانونية واقتصادية تتزايد تعقيدًا يومًا بعد يوم.